يَعزُبْ عَلَيْهِ فِي مُلْكِهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَجْنِحَةً مِنْ جَوْهَرٍ، وَيَجْعَلَ لَهُ يَدَيْنِ كَمَا يَهْوَى. فَقَالُوا: يَا مَوْلَانَا لَقَدْ ثَبَتْنَا بِمَعْرِفَتِهِ، وَإِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ الشَّكْوَى، فَقَالَ: وَعَسَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ !
وَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ بِالأَذَانِ، فَأَذَّنَ، فَعَكَفَتْ النَّاسُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَهُمْ سُكَارَى لَا يَعْقِلُونَ مِنْ عِظَمِ مَا شَاهَدُوا، وَأُعِيدَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَتَرَكُوا الْقِتَالَ إِثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلَى أَنْ تَنَاسَوْا النَّاسُ الْحَدِيثَ وَعَادُوا إِلَى الْقِتَالِ.
قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْعَسْكَرُ بِصِفِّينَ، وَكَانَ أَوَّلَ الْقِتَالِ، صَفَّ الصُّفُوفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَقَامَ رَايَاتِهِ، وَعَهِدَ إِلَى كُلِّ حَامِلِ رَايَةٍ وَمَنْ تَحْتَهَا بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ وَقَدْ وَقَفَتْ صُفُوفُ أَهْلِ الشَّامِ بِمُقَابَلَتِهِمْ وَنصَبَتْ
رَايَاتِهِمْ، وَقَدِ اطَّلَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - عَزَّ عِزُّهُ - عَلَى قُلُوبِ النَّاسِ فَوَجَدَهَا قَدْ وَجِلَتْ وَمُلِئَتْ رُعْبًا، فَوَقَفَ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ وَأَقْبَلَ عَلَى صُفُوفِهِ، وَبَسَطَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَمَرَّهَا عَلَى صُدُورِ النَّاسِ جَمِيعًا، فَسَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ وَانْجَلَى الرَّانُّ وَالرَّوْعُ عَنْهُمْ، وَسَخَتْ أَنْفُسُهُمْ بِالْقِتَالِ، فَصَاحَ فِيهِمْ صَائِحٌ: يَا جُنْدَ اللَّهِ وَأَنْصَارَ الدِّينِ وَأَعْوَانَ




