ثُمَّ لَا أَرَى أَحَدًا يُخَاطِبُهُ، وَلَا يُخْفِي شَيْئًا مِمَّا هُوَ مُسِرُّهُ، وَلَا يُقْبِلُ عَلَيَّ فَإِذَا رَأَى ذَلِكَ مِنِّي قَامَ قَائِمًا وَرَكِبَ بَغْلَتَهُ وَرَكِبْتُ، فَلَمَّا جَاوَزْنَا الْعَسْكَرَ أَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: يَا حَارِثُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرُو قَدِ انْفَرَدَا عَنْ عَسْكَرِهِمَا بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْوَادِي، وَإِنَّهُمَا يَسِيرَانِ وَيَعْهَدُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَيَعْهَدُ أَحَدُهُمْ إِلَى الآخَرِ عَهْدًا أَنَّهُ لَا يَحُولُ لَهُ عَنْ طَاعَةٍ وَإِنَّ عَمْرُو سَيَطْلُبُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وِلَايَةَ مِصْرَ وَمَا يَلِيهَا إِلَى النُّوبَةِ وَالْبِجَا وَالزُّغَاوَةِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهَا شَيْئٌ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي الْمِلْكِ، وَإِنَّ عَمْرُو يَقُولُ لَهُ إِنِّي أَعِدُ أَهَلَ الشَّامِ بِأَنِّي أَجْعَلُ هَذَا الأَمْرَ فِيكَ، وَأَبْعَثُ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنِّي أَجْعَلُ الأَمْرَ فِي عَلِيٍّ وَأَخْلَعُكَ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: يَا عَمْرُو، وَاللَّهِ مَا صَدَقْتَنِي فِي أَمْرٍ كَمَا صَدَقْتَنِي فِي هَذَا الأَمْرِ وَإِنَّكَ لَصَدُوقٌ نَاصِحٌ، فَيَقُولُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
فَمَا كَانَ إِلَّا مْثَلَ ارْتِدَادَ الطَّرْفِ حَتَّى أَشْرَفَ بِي مَوْلَايَ عَلَى الْوَادِي، وَإِذَا بِمَغَارَةٍ عَظِيمَةٍ فِي ذَلِكَ الْوَادِي وَهُمْ فِيهَا جَالِسُونَ يَعْهَدُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِجَمِيعِ مَا أَعْلَمَنِي مَوْلَايَ وَجَرَى بَيْنَهُمَا مِنَ




