فَجَاءَتِ اَلنَّصَارَىَ إِلَىَ "نَحْته" وَسَجَدُوْا لَهُ، وَأَدَارُوْا وُجُوْهَهُمْ نَحْوَ اَلشَّرْقِ وَظَنُّوْا أَنَّهُ عِيسَىَ اَلْمَسِيْحُ بْنُ مَرْيَمَ، وَاِتَّخَذُوْا بَعْدَ غَيْبَتِهِ اَلصَّلِيْبَ، وَقَدْ جَعَلُوْا يُصَوِّرُوْنَ اَلصُّوَرُ مِنْ اَلصِّنَاعَاتِ، وَعُمُّوْا عَنْ مَعْرِفَتِيْ، وَمَعْرِفَةِ اِسْمِيْ، وَمَعْرِفَتِكَ يَا سَلْمَانَ.
وَهُمْ إِلَىَ اَلْيَوْمِ يَعْبُدُوْنَ صُلْبَانَهُمْ اَلَّتِيْ يَصْنَعُوْنَهَا مِنَ اَلذَّهَبِ وَاَلْفِضَّةِ وَاَلصُّوَرِ اَلَّتِيْ يَصْبُغُوْنَهَا مِنَ اَلصِّبَاغِ عَلَىَ اَلدُّفُوْفِ، وَأظهَرَتْ مِنْهُمْ بَطَارِكَةً وَأَسَاقِفَةً وَمَطَارِنَةً وَخْوَارِنَةً وَقَسَاوِسَةً وَشَمَّاسِيْنَ وَرُهْبَانَاً بِازاء حَوَارِيِّ اَلْمَسِيْحِ وَأَنْصَارِهِ.
فَحَلَّلُوْا مَا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ، وَحَرَّمُوْا مَا حَلَّلْتُ لَهُمْ، وَظَنُّوْا أَنَّهُمْ يَصِلُوْنَ إِلَىَ مَقَامِ اَلْحَوَارِيِّيْنَ وَاَلْأَنْصَارِ، وَجَعَلُوْا لِيْ وَلَدًا، وَبَنَوْا لَهُمْ أَدْيِرَةً وَكَنَائِسَاً وَصَوَامِعَاً، وَجَعَلُوا يَعْبُدُوْنَ أَصْنَامَهُمْ وَهْمْ عَنْ مَعْرِفَتِيْ تَائِهُوْنَ.
وَقَدْ قَالَ لَهُمْ اِسْمِيْ: أَنَّ عِيسَىَ عِنْدَ اَللَّهِ كَآدَمَ خَلَقَهُ مِنْ طِيْنٍ. فَأنَكَرُوْا قَوْلِيْ وَخَالَفُوْا رُسُلِيْ وَظَنُّوْا أَنَّ اَلْحَوَارِيِّيْنَ وَاحِدٌ.
لِأَنَّ اَلْمَسِيْحَ لَمَّا ظَهَرَ فِيْ صُوْرَةِ اَلتَّأْنِيْسِ اِتَّخَذُوْا لَهُ اِثنَا عَشْرَ تِلْمِيْذَاً وَقَدْ ظَنُّوْا اَلنَّاسَ أَنَّهُمْ بَشَرٌ مِثْلَهُمْ، وَقَدْ قُلْتُ لَهُمْ مَا كَانَ "إِبْرَاهِيْمُ وَمُوْسَىَ وَعِيْسَىَ" يَهُودِيًّاً وَلَا نَصْرَانِيًّاً، وَلَكِنْ كَانُوْا "حُنَفَاءَ مُسْلِمِيْنَ وَمَا كَانُوْا مِنْ اَلْمُشْرِكِيْنَ".
٥٧- فِيْ اَلذَّبْحِ وَاَلْقَتْلِ وَأَحْدَاثِ اَلْبَشَرِ وَاقِعَةً فِيْ اَلضِّدِّ:
وَاِعْلَمْ يَا سَلْمَانُ أَنَّ اِسْمِيْ وَأَنْتَ وَأَهْلُ مَرَاتِبِ قُدْسِيْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمُ اَلذَّبْحُ وَلَا اَلْقَتْلُ، وَلَا أحْدَاثٌ كَأَحْدَاثِ اَلْبَشَرِ وَعَالَمِ اَلْكَدَرِ، وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ فِيْ اَلْأَضْدَادِ.
وَأَمَّا أَحْدَاثُ أَهْلِ اَلنُّوْرِ نُوْرٌ فِيْ نُوْرٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُوْحٌ لِمَنْ هُوَ دُوْنَهُ وَالْكُلّ نُوْرٌ وَاحِدٌ، وَاِعْلَمْ أَنَّهُ مَهْمَا فَعَلَتْ اَلرُّوْحُ مِنَ اَلذُّنُوْبِ فَهُوَ وَاقِعٌ عَلَىَ اَلْجَسَدِ اَلضِّدِّ اَلْكَافِرِ.
وَاِعْلَمْ يَا سَلْمَانُ؛ أَنِّيْ أَنَا رُوْحُ اَلذَّاتِ وَهِيَ جِسْمِيْ اَلنُّوْرَانِيُّ وَصُوْرَتِيْ اَلْأَنْزَعِيَّةُ وَأَنَا اَلظَّاهِرُ بِهَا بِغَيْرِ مِثَالٍ وَلَا اِتِّصَالٍ وَلَا اِنْتِقَالٍ، وَكَذَلِكَ اِسْمِيْ جَسَدُ ذَاتِيْ، وَذَاتِيْ رُوْحُهُ وَنُورُهُ لا المُتَّصِلُ بِهِ وَلَا بِاَلْمُنْفَصِلِ عَنْهُ، وَاِعْلَمْ يَا سَلْمَانُ أَنَّ أَهْلَ اَلنُّوْرِ لَيْسَ لَهُمْ جِسْمٌ كَجِسْمِ اَلْبَشَرِيَّةِ وَإِنَّمَا هُمْ نُوْرٌ مِنْ نُوْرٍ ذَاتِيْ، وَالْبَابُ جِسْمُ اِسْمِيْ وَأَنَا أَصْلُ كُلِّ نُوْرٍ، وَإِنَّمَا ظَهَرْتُ لِلْعِبَادِ بِصُوْرَتِيْ للتِّأنِيْسِ، لِأَجَلِ إِثْبَاتِ اَلْحُجَّةِ عَلَىَ اَلْخَلْقِ حَتَّىَ يُعْرَفَ اَلْمُؤَمِنُ مِنَ اَلْكَافِرِ.
وَاِعْلَمْ يَا سَلْمَانُ أَنَّ عِيْسَىَ اِسْمِيْ لَمَّا أَظْهَرْتُهُ مِنْ نُوْرِ ذَاتِيْ فَظَهَرَ لَهُمْ بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَأَظْهَرَ مَعَهُ اَلْحَوَارِيِّيْنَ وَكَانُوْا أَنْصَارَ شِيْعَتِيْ فِيْ دَوْرَهِ، وَفِيْ هَذَا اَلدَّوْرِ هُمْ "سَطْرُ اَلْأَئِمَّةِ".




