واِعْلَمْ أَنَّهُ هُوَ اَلَّذِيْ خَلَقَكَ مِنْ نَوْرِهِ وَظَهَرَ فِيْك تَشْرِيْفَاً لَكَ يَا سَلْمَانُ، وَاِعْلَمْ أَنَّ اِسْمِيْ لَا يَنْفَصِلُ عَنِّيْ وَلَا أَنْفَصِلُ عَنْهُ لِأَنِّه مِنْ نُوْرِ ذَاتِيْ اِخْتَرَعْتُهُ، وَلِحِكْمَةٍ أَظْهَرْتُهُ.
اِعْرِفْ ذَلِكَ يَا سَلْمانُ؛ إِنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ العَظيْمُ اَلَّذِيْ لَا يَنْكَشِفُ إِلَّا لِمَعْنَاهُ، فَمَن لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ وَلَا يَكْتُمُ سِرُّهُ عَنْ أَعْدَائِنَا وَيُمَارِيْ فِيْهِ اَلْجُهّالِ؛ فَأُذِيْقِهُ حَرَّ اَلْحَدِيْدِ وَبَرْدَهُ، وَأُنْزِلُ عَلَيْهِ اَلْلَّعْنَةَ وَاَلْعَذَابَ وَاَلثُّبُوْرَ عَلَىَ مَدَىَ اَلْأَزْمِنَةِ وَاَلدُّهُوْرِ.
وَاِعْلَمْ يَا سَلْمَانُ أَنِّيْ لَمَّا كُنْتُ أُظْهَرُ فِيْ اَلْقِبَابِ اَلْمُتَقَدِّمَةِ مَعَاجِزَاً وَقُدْرَةً بَاهِرَةً؛ كَانَ يَظْهَرُ عُمَرُ بَيْنَ قَوْمِهِ وَيُنَادِيْ: مِنْ كَانَ لَهُ مُرَادٌ عَلَىَ اَلْفُرْجَةِ عَلَىَ نُطْقِ اَلْأَصْنَامِ اَلَّتِيْ نَعْبُدُهَا وَكَيْفَ يُبْطِلُ سِحْرَ هَذَا السّاحِرِ(1)، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ فِيْ أَصْنَامِهِمْ وَيُكَلِّمُهُمْ مِنْهَا، فَيَقُولُ لَهُمْ: (إِنَّ هَذَا لَيْسَ إِلَهَ السَّمَوَاتِ والْأَرْضِ(2)، وأَنَهُ رَجُلٌ ساحِرٌ وَيُرِيْدُ بِسِحْرِهِ أَنْ يُطْغيْ اَلْخَلْقَ حَتَّىَ يَعْبُدُوْهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُنْكِرُ اَلْكَافِرُ وَيَبْقَىَ بِاَلْإِنْكَارِ، وَيُؤْمِنُ اَلْمُؤْمِنُ وَيَحْسُنُ إِيْمَانُهُ).
٤٣- ظُهُوْرُ اَلْمَعْنَىَ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَبِدَايَةُ تَحْرِيْمِ اَلْمَعْرِفَةِ:
وَاِعْلَمْ إِنَّمَا ظَهَرْتُ لِلْخَلْقِ وَاَلْعِبَادِ بَصُوْرَةِ اَلتِّأْنِيْسِ حَتَّىَ أُبَيِّنَ لَهُمُ اَلْخَيْرَ مِنَ اَلشَّرِّ وَاَلْهُدَىَ مِنْ اَلضَّلَالِ، وَأُثْبِتُ اَلْحُجَّةَ عَلَىَ اَلْخَلْقِ بِإِقْرَارِهِمْ لِيْ فِيْ عَالَمِ اَلذَّرِّ وَيَوْمِ اَلنِّدَاءِ وَفِيْ اَلْأَظِّلَةِ، وَقَدْ قُلْتُ لِاِسْمِيْ: قُلَّ لِهَؤُلَاءِ اَلْعِبَادِ وَأَنْبِئْهُمْ وَعَرِّفْهُمْ: [ أَنَّ إِلَهَ اَلسَّمَاءِ هُوَ إِلَهُ اَلْأَرْضِ، وَهُوَ اَلَّذِيْ يَظْهَرُ لَكُمْ بِمِثَالِكُمْ، وَهُوَ رَبُّكُمْ وَبَارِيْكُمْ، وَهُوَ اَلَّذِيْ أَنْشَأَكُمْ وَهُوَ اَلَّذِيْ يُمِيْتُكُمْ، وَهُوَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٍ].
فَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ اَلنِّدَاءَ وَسَكَنَ فِيْ ضَمِيْرِهِ، فَتَمَّ عَلَىَ إِقْرَارِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَمِعَ اَلنِّدَاءَ وَلَمْ يُؤَكِّدْهُ، وَلَمْ يَسْكُنْ فِيْ ضَمِيْرِهِ، فَبَقِيَ عَلَىَ إِنْكَارِهِ عَلَىَ مَدَىَ اَلْأَكْوَارِ وَاَلْأَدْوَارِ.
وَمِنْهُمْ مِنْ لَمْ يَسْمَعِ اَلنِّدَاءَ، وَهُمْ اَلنِّسَاءُ وسَائِرُ اَلْأُنَاسُ، فَمِنْ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ حُرِّمَتْ عَلَىَ اَلنِّسَاءِ اَلْمَعْرِفَةُ وَحُرِّمَ عَلَىَ اَلْمُؤْمِنِيْنَ أَكْلُ اَلْإِنَاثِ، لِهَذَا قُلْتُ: (كُلُّ اَلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لَبَنِيْ إِسْرَائِيْلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ).
___________________________________________________________
(1) هَذَا السّاحِرِ: يَقصِدُ مَوْلَانَا عَلِيُّ بنُ أَبِيْ طَالِبٍ عَزَّ عِزُّهُ.
(2) إِنَّ هَذَا لَيْسَ إِلَهَ السَّمَوَاتِ والْأَرْضِ: هُنا لَطِيْفَةٌ جَاءَت عَلَى لِسَانِ اَلضِّدِّ، وَإِن كَانَت نَفْيَاً لَكِنَّهَا تُثْبِتُ مَا كَانَ فِي حِيْنِهَا مِن اَلإقرَارِ بِالألُوهِيَّةِ لِمَوْلَانَا عَلِيٍّ عَزَّ عِزُّهُ فِي سَائِرِ اَلمَجَامِعِ، مَا تَكَلَّفَ مِنَ اَلضِّدِّ جَهْدَ التَّلْبِيْسِ لِمُحَارَبَتِهِ ومُنَازَعَتِهِ، قَالَ تَعَالَىَ: {یُرِیدُونَ أَن یُطۡفُِٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَ ٰهِهِمۡ وَیَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّاۤ أَن یُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢ هُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِینِ ٱلۡحَقِّ لِیُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّینِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣} التوبة




