وَأَمَّا يَوْمَ يَعَضُ اَلظَّالِمُ عَلَىَ يَدَيْهِ وَيَقُوْلُ يَا لَيْتَنِيْ اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُوْلِ سَبِيْلًا، اَليَوْمَ الَّذِيْ يَنْظُرُ اَلكَافِرُ فِيْ عَمَلِهِ فَيَنْدَمُ عَلَىَ عِبَادَةِ اَلشَّيْطَانِ، وَلَا يُقَالُ مِنَ اَلعَذابِ وَاَلْعِلَّةِ، والسَّماءُ اَلَّتِيْ تُطْوَىَ.
وَاَلأَرْضُ اَلَّتِيْ تُبَدَّلُ بِغَيْرِهَا وَهُمُ اَلأَوَّلُ وَاَلثَّانِيْ، فَكَانُوْا لَمَّا يَسْمَعُوْنَ فِيْ اَلسَّمَاءِ أَهْلَ النّورِ اَلَّذِيْنَ أَنَا سَمَّيْتُهُمْ بِهَا؛ يُقِيمُونَ لَهَا سَمَاءً بِإِزَائِهَا وَيَسْمَوْنَ أَنْفُسَهُمْ بِهَا.
يَا سَلْمَانُ اِعْلَمَ أَنَّكَ أَنْتَ "سَمَاءُ اَلْعَالَمَيْنِ"، وَاَلْمِقْدَادُ "أَرْضُك".. لِأَنَّكَ خَلَقْتَهُ مِنْ نُوْرِكَ، وَأَمَّا تِلْكَ اَلسَّمَاءُ اَلَّتِيْ تُطْوَىَ وَاَلْأَرْضُ اَلَّتِيْ تُبَدَّلُ؛ فَدُخُوْلُ أَعْدَائِيْ بَالْمُسُوْخِيَّةِ، وَتَنَقُّلُهُمْ مِنْ قَالَبٍ إِلَىَ قَالَبٍ، وَمِنْ عَذَابٍ إِلَىَ عَذَابِ، وَكُلَّمَا خَرَجُوْا مِنْهَا أُعِيْدُوْا فِيْهَا، وَعْدَاً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِيْنَ بِأَعْدَائِنَا فِيْ سَائِرِ اَلدُّهُوْرِ وَالْقِبَابِ يَا سَلْمَانُ، وَإِنَّ ..هَذِهِ اَلسَّمَاءُ ذَاتِيْ.. اَلَّتِيْ أنَا بَاطِنُهَا وَأَنَا ظَاهِرٌ بِهَا، وَقَدْ سَمَتْ عَلَىَ سَائِرِ اَلْاَنْوَارِ، وَهِيَ صُوْرَتِيْ اَلَّتِيْ لَا تَحُوُلُ وَلَا تَزُوْلُ وَلَا تَتَغَيَّرُ.
٣٧- بَيَانُ اَلْجَنَّةِ وَاَلنَّارِ وَيَوْمُ اَلْقِيَامَةِ:
وَهِيَ اَلْجَنَّةُ اَلَّتِيْ عَرْضُهَا اَلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ اَلْعَامِلِيْنَ اَلْحَسَنَاتِ وَاَلْمُوَاظِبِيْنَ عَلَىَ اَلتَّقْوَىَ وَاَلتُّقَىَ، فَإِذَا خَلَصُوْا بِنِيَّاتِهِمْ وَصَفُوْا وَرَقُّوْا إِلَىَ اَلْجَنَّةِ وَهِيَ اَلْمَلَأُ اَلْأَعْلَىَ، وَهِيَ مَسْكَنُ عِبَادِيْ اَلْمُخْلِصِيْنَ يَا سَلْمَانُ.
وَإِنَّ جَهَنَّمَ اَلَّتِيْ وَعَدْتُهَا لِلْكَافِرِيْنَ هِيَ ..اَلْمُسُوْخِيَّةُ(1).. اَلَّتِيْ لَا تَأْكُلُ مِنْ أَكْلِهَا فِيْ أَجْسَامِ اَلْمُخَالِفِيْنَ، وَهِيَ اَلَّتِيْ قُلْتُ فِيْهَا: (اَليَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ اِمْتَلَأَتِ وَتَقُوْلُ هَلْ مِنْ مَزِيْدِ) [ق- 30]
وَاِعْلَمْ يَا سَلْمَانُ؛ أَنَّ اَلْمُخَالِفِيْنَ كُلَّمَا خَرَجُوْا مِنْ قَمِيْصٍ دَخَلُوْا فِيْ غَيْرِهِا، وَهُمْ يَتَكَرَّرُوْنَ فِيْ ذَلِكَ اَلْعَذَابِ إِلَىَ يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، يَوْمُ قِيَامِ اَلْقَائِمِ وَهُوَ يَوْمُ اَلسَّاعَةِ، وَهُوَ ثَقِيْلٌ شَدِيْدٌ عَلَىَ اَلْكَافِرِيْنَ وَيَسِيْرٌ عَلَىَ اَلْمُؤْمِنِيْنَ.
وَمَا سَمَّيْتُهُ شَدِيْدٌ عَلَىَ اَلْكَافِرِيْنَ، إِلَّا فِيْ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ تُكْشَفُ عَنْهُمُ اَلْأَسْتَارُ وَتَظْهَرُ مَنَاكِرُهُمْ، وَيُفْضَحُوْنَ بَيْنَ يَدَيْ اَلْقَائِمِ، وَأَمَامَ سَائِرِ اَلْعِبَادِ، وَهُوَ اَلْيَوْمُ اَلْعَسِيْرُ عَلَىَ اَلْكَافِرِيْنَ غَيْرُ يَسِيْرٌ يَا سَلْمَانُ، وَفِيْهِ يَنَالُوْنَ اَلْعَذَابَ وَأَشَدَّ اَلْعِقَابِ، وَهُوَ يَوْمُ اَلْكَشْفِ، فَهَذَا جَزَاءُ اَلْكَافِرِيْنَ مِنْ اَلْيَوْمِ إِلَىَ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ.
وَأَمَّا اَلْمُؤْمِنُ فَلَا يَدْخُلُ فِيْ اَلْمُسُوْخِيَّةِ وَاَلْعَذَابِ حَتَّىَ يُنْكِرَ اَلصُّوْرَةَ اَلْمَرْئِيَّةَ(2)، وَذَاتِيَ اَلْعَالِيَةَ، وَقُدْرَتِيْ اَلْأَزَلِيَّةَ
____________________________________________________________
(1) اَلْمَسُّوخِيَّةِ : يَقْصُدُ بِهَا مَوْلَانَا عَزَّ عِزُّهُ أَمْثَال اَلْقِرَدَةِ وَاَلْخَنَازِيْرِ، وَكُلُّ سَمَكٍ لَيْسَ لَهُ فِلْسٌ؛ مِثْلَ اَلجِرِّيْ.
(2) اَلصُّوْرَةَ اَلْمَرْئِيَّةَ، وَذَاتِيَ اَلْعَالِيَةَ، وَقُدْرَتِي اَلْأَزَلِيَّةَ: هِيَ إِشَارَةٌ لَطِيْفَةٌ حَيْثُ أَشَارَ إِلَىَ[ نَفْسِهِ عَزَّ عِزُّهُ، وَإِسْمِهُ، وَبَابِهُ].




