وَمَا خُيَّرَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدِ شَيْئاً فَيَدْعُوْهُ؛ فَأَسْتَقْبِلُ مِنْهُم اَلدُّعَىَ وَأَتُوبُ عَلَيْهِمُ وَارْفَعُ عَنْهُم اَلْعَذَابَ وَالْعِقَابَ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَيُقَدَّمُ اَلْكَافِرَ عَلَىَ اَلْمُؤْمِنِ وَيُوَالِيْ اَلْكَافِرَ وَيَتْرُكُ اَلْمُؤْمِّنَ لِأَجَلِ حُبِّ اَلدُّنْيَا فَعِنْدَ ذَلِكَ أَقْطَعُ نَصِيْبَهُ مِنَ اَلْمَعْرِفَةِ، وَأُذِيْقُهُ حَرَّ اَلْحَدِيدَ وَبَرْدَهُ، وَأَرُدُّهُ إِلَىَ اَلْمُسُّوْخِيَّةِ، وَلَا يَتَبَقَى لَهُ رَجْعَةٌ إِلَىَ اَلْمَعْرِفَةِ وَيَكُوْنُ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلْكَافِرِيْنَ، وَهَذَا جَزَاءٌ مِنْ يُقَصِّرُ فِيْ حُقُوْقِ إِخْوَانِهِ وَيَتَهَاوَنُ فِيْ مَصَالِحِهِمْ وَيَتَمَادَىَ بِسِرِّهِمْ لِلْجُهَّالِ، فَلَا أُقِيْلُهُ مِنْ ذَلِكَ اَلْعَذَابِ.
وَاِعْلَمْ يَا سَلْمَانُ؛ أَنَّ اَلْعُلَمَاءَ مِنْ اَلْمُؤْمِنِيْنَ اَلْفَاعِلِيْنَ بِاَلتَّقْوَىَ وَاَلتُّقَىَ وَصِحَّةِ اَلْيَقِيْنِ وَالِاعْتِقَادِ اَلصَّحِيْحِ اَلثَّابِتِ عَلَىَ اَلتَّقْوَىَ وَالْإِيْمَانِ؛ فَيَكُوْنُوْنَ فِيْ دَرَجَةِ اَلْأَنْبِيَاءِ، وَسَكَنُهُ جَنَّاتُ اَلنَّعِيْمِ، إِذَا هَدَا اَلْعِبَادَ وَأَمَرَهُمْ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْإِيْمَانِ، وَذَلِكَ اَلْعَالِمُ يَكُوْنُ فِيْ اَلْمَقَامٌ اَلرَّفِيعُ اَلْأَعْلَى.
١٨- كَلَامٌ فِيْ اَلْمُؤْمِنِيْنَ وَحُقُوْقِهِمُ:
وَاعْلَمْ يَا سَلْمَانُ مَا اِجْتَمَعَ اَلْعُلَمَاءُ اَلْمُؤْمِنِيْنَ فِيْ مَكَانٍ وَاحِدٍ وَذَكَرُوْا فِيْ تَوْحِيْدِيَ؛ كَانَ ذَلِكَ اَلْيَوْمُ مِيْقَاتًا شَرِيْفًا، وَ أَنَا أَكُوْنُ حَاضِرَاً نَاظِرَاً مَوْجُودَاً بَيْنَهُمْ، أَسْمَعُ وَأَرَىَ وَأَنْزِلُ عَلَيْهِمُ رَحْمَتِيْ وَأَغْفِرُ لِمُخْطِئِيْهُمْ، وَتَزْدَادُ اَلْبَرَكَاتُ بَيْنَهُمُ، وَهُمُ اَلَّذِيْنَ خَصَّيْتْهُمْ فِيْ هَذِهِ اَلْمَنْزِلَةِ وَأَنْزَلْتُ فِيْ حَقِّهِمُ هَذِهِ اَلْآيَةَ: ﴿ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مََٔابࣲ ٢٩﴾ [الرعد].
يَا سَلْمَانُ إِنَّ اَلْمُؤْمِنِيْنَ اَلْفَاعِلِيْنَ اَلْمُحِقِّيْنَ "أَوْتَادُ اَلْجِبَالِ"، مَنْ عَرَفَ قَدْرَ اَلمُؤْمِنِ عَرَّفْتُ قَدْرَهُ وَعَلَّيْتُ شَأْنَهُ وَرَجَّحْتُ مِيْزَانَهُ، وَأَظْهَرْتُ اَلْحِكْمَةَ عَلَىَ يَدِهِ وَجَعَلْتُهُ مِنَ اَلْمَقْبُوْلِيْنَ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ أَخِيْهِ اَلْمُؤْمِنِ وَلَمْ يَقُمْ فِيْ حَقِّهِ بِرُوْحِهِ وَمَالِهِ؛ لَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِ ضِدًّاً يَعْتَرِيْهِ وَيُضَيِّقُ صَدْرَهُ حَتَّىَ يَتَحَيَّرُ فِيْ أَمْرِهِ، وَيَضَيْعُ قَدْرُهُ وَيَنْحَطُّ شَآنُهُ عِنْدَ كُلِّ اَلنَّاسِ.
وَاِعْلَمْ يَا سَلْمَانُ؛ مَنْ عَرَفَنِيْ وَعَرَفَ اِسْمِيْ وَعَرَفَكَ حَقَّ اَلْمَعْرِفَةِ عَلَىَ اَلْحَقِيقَةِ بِغَيْرِ تَشْبِيْهٍ وَلَا تَمْثِيْلٍ؛ أُخَلِّصُهُ مِنْ سَائِرِ اَلْأُمُوْرِ اَلَّتِيْ تُعْرَضُ عَلَىَ اَلْكَافِرِ مِثْلَ اَلْأَمْرَاضِ وَاَلأَسْقَامِ وَاَلْأَوْجَاعِ وَاَلْفَقْرِ وَاَلْفَاقَةِ، وَأُخَلِّصُهُ مِنَ اَلْعَذَابِ وَاَلتِّرْدَادِ فِيْ اَلْمُسُوْخِيَّةِ، وَأَكْتُبُهُ مِنْ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ وَأُعْرِفُهُ فِيْ طُوْبَىَ وَحُسْنِ مَئَابٍ؛ وَهِيَ اَلشَّجَرَةُ اَلَّتِيْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، إِذَا عَرَفَهَا اَلْمُؤْمِنُ عَرَفَنِيْ يَا سَلْمَانُ.
١٩- كَلَامٌ فِيْ اَلصُّوْرَةِ اَلنُّوْرَانِيَّةِ وَاَلذَّاتِ اَلْأَنْزَعِيَّةِ:
وَاِعْلَمْ إِنَّمَا هِيَ ..اَلذَّاتُ اَلْمُتَنَزَّهَةُ عَنِ النُّعُوْتِ وَالصِّفَاتِ.. وَهِيَ "اَلصُّوْرَةُ" اَلَّتِيْ أَنَا ظَاهِرٌ بِهَا، وَهِيَ شَجَرَةُ اَلزَّيْتُوْنِ، وَهِيَ سِدْرَةُ اَلْمُنْتَهَىَ، لِأَنَّ سَائِرَ اَلْأَنْوَارِ مِنْهَا وَإِلَيْهَا تَعَوْدُ، وَأَغْصَانُهَا هُمْ "اَلْاِثْنَيْ عَشَرَ سَطْرُ اَلْأُمَامِيَّةِ"، وَهُمْ بُيُوْتِيْ وَهُمُ اَلْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ اَلْوَاسِعُ، وَهُمْ ظَاهِرِيْ وَأَنَا بَاطِنُهُمْ يَا سَلْمَانُ.




