ثُمَّ إِنِّيْ تَجَلَّيْتُ لِاِسْمِيْ؛ فَخَرَّ سَاجِدًا لِهَيْبَتِيْ وَإِجْلَالَاً لِقُدْرَتِيْ، ثُمَّ إِنِّيْ أَمَرْتُ اِسْمِيْ أَنْ يَتَجَلَّىَ لَكَ يَا سَلْمَانُ، وَلِلْعَالَمَيْنِ، وَلِمَنْ يَلِيْهُمْ مِنَ اَلْمَلَائِكَةِ اَلَّذِيْنَ فِيْ اَلسَّمَاءِ اَلْعَالِيَةِ وَاَلْأَرْضِ اَلسُّفْلِيَّةِ، وَلِمَنْ فِيْهَا مِنَ اَلْأَنْهَارِ وَالْبَحَارِ وَالْمِيَاهِ وَالْجِبَالِ، وَقَدْ كُنْتُ أَوْقَعْتُ عَلَىَ اِسْمِيْ اَلْهَيْبَةَ، وَاسْمِيْ أَوْقَعَ هَيْبَتَهُ عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ.
فَأَنَا أَوَّلُ مَا نَظَرْتُ إِلَىَ اِسْمِيْ، وَاسْمِيْ نَظَرَ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ نَظَرْتَ إِلَىَ اَلْعَالَمَيْنِ، وَالْعَالَمَينِ نَظَرُوْا إِلَىَ اَلْأَرْضِ وَمَافِيْهَا، فَهُنَاكَ تَزَلْزَلَتِ اَلْأَرْضُ، وَتَزَعْزَعَتِ اَلْجِبَالُ، وَمَاجَتِ اَلْبِحَارُ، وَفَاضَتِ اَلْأَنْهَارُ، وَاخْتَلَطَتِ اَلْمِيَاهُ وَامْتَزَجَتْ بَعْضَهَا فِيْ بَعْضِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اِمْتَزَجَ اَلْحُلْوُ فِيْ اَلْمَالِحِ، ثُمَّ أَنِّيْ أَمَرْتُ اِسْمِيْ أَنْ يَقُوْلَ لِلْأَرْضِ اُسْكُنِيْ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ إِنِّيْ أَمَرْتُهُ أَنْ يَأْمُرَكَ أَنْ تَنْزِلَ إِلَىَ اَلْأَرْضِ وَتَقْبِضَ مِنْهَا قَبْضَةً وَتَخْلُقُ مِنْهَا عَالَمَ اَلْمِزَاجِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمُ اَلْأَحَدِ، وَهُوَ أَوَّلُ اَلْأَيَّامِ اَلَّتِيْ خَلَقْتُ بِهَا اَلدُّنْيَا وَهُوَ بِشَخّْصِ اِسْمِيَ اَلْأَعْظَمِ؛ اِفْهَمُ ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ.
٦- وَصْفُ عَالَمِ اَلْمِزَاجِ:
أَمَّا إِمْتِزَاجُ اَلْحُلْوِ بِالْمَالِحِ؛ يَعْنِيْ اِمْتِزَاجُ اَلْمُؤْمِنِ بِاَلْكَافِرِ، فَمَا يَكُونُ مِنَ اَلْمُؤْمِنِ مِنْ عِلْمٍ وَفِهْمٍ وَأَدَبٍ وَهَيْبَةٍ وَوَقَارٍ وَنُوْرٍ، وَبُرْهَانٍ وَاضِحٍ؛ فَيَكُوْنُ ذَلِكَ مِنَ اَلْمَاءِ اَلْحُلْوِ، وَمَا يَكُونْ فِيْ اَلْمُؤْمِنِ مِنْ شَكٍّ وَكُفْرٍ وَطُغْيَانٍ وَزُوْرٍ وَبُهْتَانٍ وَأَكْلِ حَرَامٍ، وَقَتْلِ اَلنَّفْسِ اَلَّتِيْ حَرَّمْتُ قَتْلَهَا بِغَيْرِ جُرْمٍ؛ يَكُنْ ذَلِكَ أَصْلُهُ مِنَ اَلْمَاءِ اَلْعَكِرِ اَلْكَدِرِ، وَهُوَ بِشَخْصِ اَلثَّانِيْ(1)، وَالْمَاءُ اَلْحُلْوُ اَلْعَذْبُ، أَنْتَ شَخْصَهُ يَا سَلْمَانُ.
٧- نِدَاءُ اَلْإِسْمِ فِيْ اَلْأَظِلَّةِ (عَالَمُ اَلذَّرِّ):
ثُمَّ إِنِّيْ أُمَرْتُ اِسْمِيْ أَنْ يُنَادِيْكَ، فَيُنَادِيْ أُوْلَآئِكَ اَلْعِبَادُ فِيْ عَالَمِ اَلذَرِّ، وَيُنَادِيْهُم إِلَىَ اَلْاِقْرَارِ إِلَيَّ بِاَلْأُلُوْهِيَّةِ وَيُعَرِّفُهُمْ بِيْ، وَيَقُوْلُ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ! .. وَيُشِيْرُ إِلَيَّ .. وَكَانَ ذَلِكَ فِيْ عَالِمِ اَلذَّرِّ يَوْمُ اَلْأَظِلَّةِ، وَهُوَ اَلْيَوْمُ اَلْمَعْلُومُ وَهُوَ أَوَّلُ اَلْأَيَّامِ، وَهُوَ اَلْمُتَّصِلُ لَا مُنْفَصِلٌ عَنِّيْ، وَلَا بَيْنِيْ وَبَيْنَهُ فَرْقٌ وَلَا فَاصِلَةٌ، وَهُوَ بِشَخْصِ اَلسَّيِّدِ مُحَمَّدٍ عَزَّ عِزُّهُ، فَلَمَّا نَادَاهُمُ اِسْمِيْ قَالَ لَهُمْ: اَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ!، فَاَلَّذِيْنَ آمَنُوْا وَعَرَفُوْا اَلْحَقَّ؛ وَكُنْتُ أُرِيْدُ إِصْلَاحَهُمْ فَأّلْهَمْتُهُمْ إِلَيَّ بِاَلْإِقْرَارِ، وَإِلَىَ مَا أَشَارَ اِسْمِيْ إِلَيْهِ، وَكَانَتْ إِشَارَتُهُ لِيْ(2)، لَمَّا نَادَاهُمْ قَالُوْا بَلَىَ، يَعْنِيْ آمَنًا وَصَدَّقْنَا، وَقَوْلُهُمْ حَقٌّ.
____________________________________________________________
(1) وَهُوَ بِشَخْصِ اَلثَّانِيْ : يَقْصِدُ عُمَرُ اِبنُ اَلخَطَّابِ لَعَنَهُ اَللهُ .
(2) وَكَانَتْ إِشَارَتُهُ لِيْ : أيْ أنَّهُ هُو ربُّهُم المُنادِي لَهُم فِي الأظِّلة.




