فَقُلْتُ: وَكَانَتْ اَلْكُوْفَةُ وَمَسْجِدُهَا فِيْ زَمَنِ نُوْحٍ؟، فَقَالَ لِيْ: نَعَمْ يَا مُفَضَّلُ، وَكَانَ مَنْزِلُ نُوحٍ وَقَوْمُهُ فِيْ قَرْيَةٍ عَلَىَ مَنْزِلٍ مِنَ اَلْفُرَاتِ، مِمَّا يَلِي غَرْبِيِّ اَلْكُوفَةِ.
وَقَالَ: وَكَانَ نُوحٌ رَجُلاً نَجَّارًا، فَجَعَلَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيًّا وَانْتِجَبَهْ، وَنُوحٌ أَوَّلَ مِنْ عَمَلَ سَفِينَةً تَجْرِيْ عَلَىَ ظَهْرِ اَلْمَاءِ، قَالَ: وَلَبِثَ نُوْحٌ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، يَدْعُوهُمْ إِلَىَ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهْزِؤُونَ بِهِ وَيَسْخَرُوْنَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ دَعَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَىَ اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكَافِرِينَ دَيَّارَاً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}. [نوح - 28]
فَأَوْحَىَ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَىَ نُوْحٍ أَنْ اِصْنَع سَفِينَةً وَأَوْسِعُهَا وَعَجِّلْ عَمَلَهَا، فَعَمِلَ نُوحٌ سَفِينَةً فِيْ مَسْجِدِ اَلْكُوفَةِ بِيَدِهِ، فَأَتَىَ بِالْخَشَبِ مِنْ بُعْدٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا.
قَالَ اَلْمُفَضَّلَ مِنْهُ اَلسَّلَامُ: ثُمَّ اِنْقَطَعَ حَدِيثُ أَبِيْ عَبْدِ اَللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ عِنْدَ زَوَالِ اَلشَّمْسِ، فَقَامَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهْ فَصَلَّىَ اَلظُّهْرُ وَاَلْعَصْرِ، ثُمَّ اِنْصَرَفَ مِنَ اَلْمَسْجِدِ فَالْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَىَ مَوْضِعِ دَارِ اَلدَّارَيْنِ وَهُوَ مَوْضِعُ دَارِ اِبْنِ حَكِيمٍ - وَذَاكَ فُرَاتُ اَلْيَوْمِ - فَقَالَ لِي: يَا مُفَضَّلُ؛ هَهُنَا نُصِبَتْ أَصْنَامُ قَوْمِ نُوْحٍ؛ يَغُوثَ وَيَعُوقُ وَنَسِرَاً.
ثُمَّ مَضَىَ حَتَّىَ رَكْبِ دَابَّتِهُ، فَقُلْتُ: جُعِلَتُ فَدَاكَ؛ فِي كَمِّ، عَمَلِ نُوحٌ سَفِينَتَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؟ قَالَ: فِي دَوْرَيْنِ، قَلَّتُ: وَكَمِ اَلدَّوْرَيْنِ؟، قَالَ: ثَمَانِينَ سَنَةً، قَلَّتُ: وَإِنَّ اَلْعَامَّةَ يَقُولُونَ: عَمَلُهَا فِي خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ، فَقَالَ: كَلَّا؛ كَيْفَ وَاَللَّهُ يَقُولُ: {وَأَوَحْيَنَا}؟.
قَالَ: قَلَّتْ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارُّ اَلتَّنُّورِ} فَأَيْنَ كَانَ مَوْضِعُهُ ؟ وَكَيْفَ كَانَ؟ فَقَالَ: اَلتَّنُّورُ؛ فِي بَيْتٍ عَجُوزٍ مُؤْمِنَةٍ فِي دَبُرِ قُبْلَةَ مَيْمَنَةِ اَلْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ زَاوِيَةِ بَابِ اَلْفِيلِ اَلْيَوْمِ.
ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: وَكَانَ بَدْءُ خُرُوْجِ اَلْمَاءِ مِنْ ذَلِكَ اَلتَّنُّورِ؟، فَقَالَ: نَعَمْ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبَّ أَنْ يُرِىْ قَوْمَ نُوْحٍ آيَةً، ثُمَّ إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ اَلْمَطَرُ يَفِيضُ فَيْضًا، وَفَاضَ اَلْفُرَاتَ فَيْضًا وَالْعُيُونِ كُلُّهُنَّ فَيْضًا فَأَغْرَقَهُمُ اَللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ وَأَنْجَىَ نُوْحًا وَمِنْ مَعَهُ فِيْ اَلسَّفِيْنَةِ.
فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ لَبِثَ نُوْحٌ فِيْ اَلسَّفِينَةِ حَتَّىَ نَضَبَ اَلْمَاءُ وَخَرَجُوا مِنْهَا؟، فَقَالَ: لَبِثُوا فِيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامِ وَلَيَالِيْهَا، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ أُسْبُوْعَاً، ثُمَّ اِسْتَوَتْ عَلَىَ اَلْجُودِيِّ؛ وَهُوَ "فُرَاتُ اَلْكُوفَةُ".
فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ مَسْجِدَ اَلْكُوفَةِ قَدِيمٌ؟، فَقَالَ: نَعَمْ؛ وَهُوَ مُصَلَّىَ اَلْأَنْبِيَاءِ، وَلَقَدْ صَلَّى فِيْهِ اَلرَسُوْلُ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَىَ اَلسَّمَاءِ فَقَالَ لَهُ جِبْرَئِيلُ: يَا مُحَمَّدُ؛ هَذَا مَسْجِدُ أَبِيْكَ آدَمَ وَمُصَلَّىَ اَلْأَنْبِيَاءِ، فَانْزِلْ فَصْلِّ فِيهِ، فَنَزَلَ فَصَلَّىَ فِيْهِ، ثُمَّ إِنَّ جِبْرَائِيلْ عَرَجَ بِهِ إِلَىَ اَلسَّمَاءِ.
(الكافي، ج 8، ص - 281)




